موقع المرصد الاخباري - سخنين
الرئيسية      |     من نحن     |     اجعلنا المفضلة     |     اتصل بنا
`

مداد
موقع المرصد - لماذا يحتقر المثقفون العرب عامة الناس؟
لماذا يحتقر المثقفون العرب عامة الناس؟
موقع المرصد - السبت   تاريخ الخبر :2016-04-23    ساعة النشر :08:38


كتب:يونان سعد
"أنا ماستعناش اكلمك أصلًا" بهذه الجملة وصف لي أحد الأصدقاء من مصر موقف المثقفين العرب تجاه عامة الناس، كنت أتحدث إليه لأتعرف على رأيه في بعض الأحداث السياسية الجارية، فأخبرني أنه كثيرًا ما ثبت له مع الزمن أن آراء المثقفين فيما يحدث حولنا كانت صحيحة؛ ويا ليتنا كنا استمعنا لهم آنذاك، لكنه ما لبث أن استنكر:"نسمعهم اذاي وهم بيكلمونا من طراطيف مناخيرهم"، فهم بحسب الصديق لا يكلفون أنفسهم مغبة إفهام الناس، على اعتبار أن العامة لن يدركوا ما يقوله المثقف الواعي على أية حال.
الصديق بحسب ما أعرف حاصل على شهادة جامعية، الشهادات العلمية شيء والثقافة شيء آخر، وهو لا يدعي كونه قرأ ما يكفي من الكتب. فالقراءة رفاهية لا يمتلكها أو هكذا يظن في نفسه وفي القراءة، لكن حديثه كان يولد أسئلة مهمة في الذهن، هل يحتقر المثقفون العرب عامة الناس بالفعل؟ وهل هذا التمييز الواضح حتى في المسميات بين "العامة" و"الخاصة" صحيح؟ هل يعني ذلك أن أحدهما مفضل على الآخر أم أن لكل منهما دوراً في ماكينة المجتمع؟ هل يكون دور المثقف في التحدث إلى الناس من منبره العالي بلهجة المُوجه العارف بالأمور، أم في الانخراط معهم وتعليمهم كيف يفكرون لأنفسهم على اعتبار أن تعلم الصيد يقي الجوعان مذلة استجداء السمك، وكيف حين تختلف إجابات المثقف على هذه الأسئلة سيختلف موقفه تجاه من نسميهم بالعامة.
يحكي المفكر المصري "لويس عوض" في كتابه "الحرية ونقد الحرية" قصة حول الصراع الذي دار بين عميد الأدب العربي "طه حسين" وأحد أساطين التعليم "إسماعيل القباني"في مصر في الأربعينات من القرن الماضي، عمل طه حسين وزيرًا للمعارف "التربية والتعليم الآن" في ذلك الوقت وكان قد انغمس في هذا الصراع على خلفيته كمفكر ورجل تعليم أكثر من خلفيته كأديب، وقد كان "القباني" يطمح إلى تحويل العديد من الكليات إلى مدارس عليا والتعليم الابتدائي طريقًا للمدارس الفنية على اعتبار أن من الأفضل للدولة التركيز على تخريج عمال وفنيين مهرة من أبناء الشعب يعملون على ازدهار الصناعة مع الاكتفاء بوجود نخبة قليلة مثقفة ومستنيرة قادرة على حكم الجماهير. وعلى الجانب الآخر كان العميد يرى أن من حق الشعب ان يتعلم تعليمًا جيدًا يمنحه القدرة على المشاركة في الحياة العامة، ويعلق لويس عوض على الأمر فيقول ما معناه أن هذا هو الخلاف الدائم بين وجهتي نظر لهما أبعادهما الفلسفية القديمة. فالأول يساند فكرة "المستبد المستنير" الذي يحكم عن معرفة وفهم شعبًا من العامة والثاني يرجح إشراك الجماهير في التفكير والتخطيط لنهضة المجتمع".
قد يكون "القباني" محقًا في ضرورة أن يكون القطاع العريض من الشعب طبقة عاملة في الزراعة والصناعة، لكن هل هذا يعني بالضرورة أن تبخس الدولة حق هؤلاء في التعليم الجيد الذي يؤهلهم لاختيار حكامهم والحفاظ على مكتسباتهم السياسية والاجتماعية؟ ربما يجيب فيلسوف فرانكفورت "ريتشارد بهررندت" Rechard F.Behrendt في كتابه "الاستراتيجية الاجتماعية للبلدان النامية" social strategies of developmental states على أن التغيير الحقيقي للمجتمعات يحدث عندما يتغير وعي الناس، وهذا الأمر يحدث ببطء لكن التعجل في قطف الثمار من خلال نخبة متعلمة أو من خلال مستبد مستنير لا يجدي، إذ أن وعي العامة المتأخر يستطيع الذهاب بالإنجازات التي يحققها هؤلاء في طرفة عين، وما بين وجهة نظر طه حسين التي تعمل مباشرة على تحريك المياه الراكدة في عقول الناس وبين الاعتقاد في أفضلية النخبة والحفاظ على مسافة آمنة بين المثقف الواعي والجمهور، ينقسم المثقفون أنفسهم، ربما لهذه الفئة الأخيرة يُعزى الإحساس باحتقار المثقفين للعامة.
وقد انتصرت في هذه المعركة وجهة نظر طه حسين فلم تتحول الكليات إلى مدارس فنية في هذا الوقت، وأتت ثورة يوليو 1952 لتؤكد هذا الوضع بمجانية التعليم الأساسي والجامعي، لكن من سخرية التاريخ ورغم ما تقدم، أنه بعد أكثر من 60 عامًا على يوليو إنحدر وعي الجماهير بشكل كبير نتيجة لتدني جودة التعليم في الوطن العربي في نفس الوقت الذي لم تحقق فيه النخبة إنجازات من شأنها تغيير الواقع وسط اتهامات لهذه النخبة المثقفة الواعية بالفشل في مصر على سبيل المثال، ربما يكون الوضع غير بعيد عن ذلك في بعض البلدان العربية الأخرى، ما زاد الأمور تعقيدًا وجعلها عسيرة على التفسير.
ربما يمنحنا تأمل العلاقة بين المثقف والسلطة الحاكمة في البلدان العربية بعض التفسيرات للواقع الراهن، تحدث عن هذا الأمر ببراعة المفكر المصري "نصر حامد أبو زيد" في مقاله الشهير بجريدة أخبار الأدب عام 2005 عن سقوط التنوير الحكومي، فأبو زيد كان يرى أن السلطة في مصر كغيرها من البلدان العربية تتحالف مع المثقفين في أوقات بعينها لتمرير أجندات سياسية ومشاريع حكومية أو تستعين بهم لمحاربة الإرهاب، أي أن المثقف الذي تتلاقى وجهات نظره مع السلطة سيمارس دوره في مهمات محددة وعاجلة، ولا مجال لممارسة دوره خارج هذا الإطار أو هذا التوقيت.
ربما يضعنا كلام أبو زيد أمام إحدى صور المثقف التي تتلخص في توجيه رسائل محددة إلى الشعب، ينبغي أن تكون فاعلة وسريعة وتعمل بمنطق "إسمع نصيحتي فأنا أعلم أكثر منك" لا مساعدته على تلمس طريقه إلى التفكير السليم والتي تؤهله بعد ذلك للحكم بنفسه على الأمور والوصول إلى قرارات عاقلة، ، وقد عبر نصر أبو زيد عن ذلك بتعبيره الموجز "تحديث بلا حداثة". صورة المثقف هذه ربما تحمل ترفُعًا واحتقارًا ضمنيًا للعامة باعتبارهم خرافًا عليهم السمع والطاعة للأفكار التنويرية والحضارية التي يقدمها المثقف. وهم في ذلك لا يختلفون عن الحركات المتشددة التي يهاجمونها لأنها تتبنى نفس المبدأ.
هذا الأمر لا يختلف كثيرًا عن وجهة نظر القباني في تفضيل النخبة المستنيرة الحاكمة، وعلى هذا الأساس الذي تتعامل به السلطة مع المثقفين اقتفاءً لمبدأ "من ليس معنا فهو علينا" ينقسم جمهور المثقفين إلى عاملين مع السلطة يمتلكون بعض أدوات التواصل المحدودة مع الجمهور، وإلى مستبعدين من الحظيرة لا يمتلكون أي شيء. يبدو أن هذا الطرف الأخير هو الذي يمكن التعويل عليه إذا قرر الانخراط مع الجماهير من خلال المؤسسات المستقلة غير الهادفة للربح، وهو ما حاول أبو زيد أن يشير إليه باعتباره الطريق الوحيد الذي سيسميه بعد ذلك "كسر الجدار المصطنع بين العامة والخاصة"، لكن هذه المؤسسات ما زالت ناشئة وضعيفة وتعاني من التضييق الحكومي في أحيان كثيرة.
بينما يعاني هذا المثقف الذي يعيش على الهامش بدون أدوات حقيقية للتواصل مع الناس من الصدمة إزاء اكتشافه للمسافة الشاسعة في الوعي بينه وبين الناس والمطلوب منه قطعها. المثقف في النهاية إنسان ربما يقع في شرك الغرور، أو على الأقل في مصيدة الإحباط إزاء الواقع الذي لا يمتلك تغييره، وفي هذا الظروف المزعجة نستطيع أن نسمي الشخص الذي يتخلص من كل هذه الصعاب دون أن يرضخ للأقدار المرسومة سلفًا بالمثقف البطل، والأبطال على كل حال قليلون لكننا نعيش في أمس الحاجة إلى أمثال هؤلاء.
ربما يكون هناك صنف ثالث، تتحدث عنه د. حنان مصطفى بشكل غير مباشر نقلًا عن الفيلسوف الألماني "ماركوزة" في كتابها "فلسفة الفن عند هاربرت ماركوزة، وما هو إلا نوع المثقفين والفنانين والمفكرين الذين يسلكون طريق "الثقافة الاستهلاكية"، وهذا التعبير يحمل بداخله كل أنواع الثقافة التي لا تطمح لتغيير وعي الناس وطرق تفكيرهم إلى الأفضل، بقدر ما تعمل على تصدير الأفكار والفنون التي يسعى الناس إلى شرائها بغرض التسلية أو حتى بغرض التأكيد على القيم المجتمعية السائدة، والغاية الأخيرة المنتظرة من هذا النوع هو تحقيق الأرباح، ونوع المثقف الفنان أوالمفكر هذا هو الذي تسعى نحوه معظم وسائل الإعلام الهادفة للربح. ربما يحمل هؤلاء أيضًا شبهة احتقار ضمني لعامة الناس باعتبارهم وسيلة لجني لمال لا هدفاً ينبغي تغيير وعيه إلى الأفضل على الرغم من ادعاءاتهم المتواصلة بأنهم يمثلون الفئة الوحيدة من المثقفين الذين لا يترفعون على الجماهير ويفضلون التواصل معهم.
بعد ما تقدم يتبقى سؤالان، هل بدأ الناس بالفعل ومنذ زمن طويل في مبادلة المثقف احتقارًا باحتقار؟ وإذا كان هذا الأمر صحيحًا، فهل يفسر ذلك ولو بشكل جزئي ابتعاد الجماهير العربية عن كل ما يخص الثقافة، والمعرفة، والإدراك واعتبار هذه الأشياء رفاهية ولغوًا لا طائل تحته؟




تعليقات الزوار

يرجى الحفاظ على مستوى مشاركه رفيع وعدم ارسال تعليقات خارجه عن نطاق الموضوع والتي لا تتماشى مع شروط الاستخدام

اسمك (غير اجباري)
بريدك الإلكتروني (غير اجباري)
الموضوع
التعليق (غير اجباري)